تعز بين مخافتين

كتابات 0 مدير

صلاح الاصبحي
……..
حين تزور تعز في هذه الآونة، تزول عنك صور الغموض التي تسيطر على استيعابك لما يدور فيها وكيف دارت الأحداث على ظهرها, قد تفاجئك البسمة الحزينة التي تتلقاها وأنت تصافح وجه المدينة، تلك الصور توحي لك بأمور شتى تعرفها حين تتحسس جدران المدينة وصفيح بناياتها، بل في خطوات الأشخاص وهيئاتهم التي تكشف عن غموض مخيف ربما ستؤول إليه حياة هذه المدينة.

في البدء تتجمع كثير من التبريرات، لتصيغ لنا واقعاً مخيفاً وصلت إليه معطيات المقاومة في تعز، لقد كان للعداء الذي قوبلت به تعز أثر في تحول أبناء تعز كلهم إلى مقاومة شعبية، لكن حجم ذلك العداء قد خلق وراء إزالة الحوثي مآسٍ شتى، بدأت بوادرها تلوح في الأفق بل قد أخذت تمارس كواقع حقيقي هناك.

قبل أيام زرت تعز المدينة التي حررت من قبضة الحوثي وصارت ملكاً بيد المقاومة التعزية، وهالني ما رأيت حيث تحولت المدينة إلى شعار يرفرف بيد التنظيم، لافتات وتحركات وهيئات وتشكيلات وممارسات كلها تشير إلي التنظيم الذي بدوره صارت له مكونات تتقاسم السيطرة على المدينة ومن هنا تساءلت كثيراً، كيف تحولت المقاومة الشعبية في تعز إلى تطرف تنظيمي؟.

الانتصار المتحقق في تعز يتمثل في انتشار عناصر التنظيم، وسيطرتهم على كل المرافق الحكومية التي حررت، وممارستهم للعمل فيها وفق رؤيتهم المتطرفة في الأقسام والمرافق الحكومية، إذ يبادرك أصحاب اللحى من باب المؤسسة وحتى مكتب المدير العام ويشترطون أن تنادي كل فرد فيها بالشيخ!.

ليس هذا فحسب إذ يكمن الخوف من سيطرة التنظيم من خلال فرضهم سلوكاً اجتماعياً متطرفاً وفق معتقدهم، بات الكثير من الناس يطلقون اللحى، ويهادنون تلك العناصر خوفاً من بطشهم, لقد دفع البعض ثمناً باهظاً، كحياتهم، إذ شاع أن عناصر التنظيم يقتلون كل من ليس في صفهم، البعض قُتل وهو يشرب الشاي أمام الملأ وفي مكان عام، والبعض قُتل أمام منزله، بل لم يسلم المشعوذون والسحرة، إذ أعدم بحكم شيخ التنظيم أكثر من عشرة مشعوذين. مستقبل مرعب أن تغدو المقاومة في تعز إرهاباً، كعنوان مفزع ينتظر تعز الإرهاب، بديلاً عن الثقافة، جماعة أبي العباس وكتائب حسم وهيئات أخرى متطرفة تحكم قبضتها على المدينة دون أن يكون لعملها هذا صلة بالشرعية السياسية.

ظهر النزاع بين المتشددين وبين أطراف المقاومة في تعز من ناحية سياسية، بما أثاره أبو العباس في مقابلته مع موقع المدينة الآن، حين أفصح فاضحاً كل طرف في المقاومة بحجم المبالغ التي تم استلامها من التحالف بقصد خيانة تلك الأطراف للعمل الوطني وإظهارها كمرتزقة بيد التحالف، وهذا الأمر جعل صالح ينشر على صفحته في الفيسبوك بخصوص هذا الشأن داعياً إلى “ألا تتحول تلك الأموال انتقاماً للوطن”. لا تهمني هنا المبالغ والمسؤولية بقدر ما يقلقني المستقبل العدمي الذي بات وشيكاً لتعز .

إنها لكارثة، أفدح من وجود الخصم الأول من وجهة نظري، وقد تكون سبباً في غض الطرف من قبل المجتمع الدولي بخصوص تعز وحصارها العسكري والسياسي، إذ لم يعد صعباً تخليص تعز مما يحيط بها لكن الشعور بتسليمها لقمة سائغة للمتطرفين يعمل على تأخير ذلك التخليص ويجعل المعاناة تستمر أكثر. عملت بعض أطراف المجتمع الدولي على دعم تلك الجماعات مادياً وعسكرياً مقابل أن تصبح المتحكمة والأقوى وانتزعت حركة الأحزاب وجعلتها مشلولة بل أخرجت بعض القيادات من تعز، يصعب تفسير هذا الأمر وطريقة تفكير تلك الدول التي تدعم الجماعات في تعز!.

كيف لنا استدراك تلك الظواهر التي بات وجودها في هذه اللحظة السياسية يؤثر بقوة على نظرية الحل السياسي المرتقب؟، إنها كداعم أساسي لخريطة ولد الشيخ التي تفصل الشرعية عن كيانها الحقيقي.

لماذا جمدت الأطراف الوطنية في تعز، من أحزاب، ومقاومة شعبية غير متطرفة، وخففت من وجودها وسلمت أمرها للمتطرفين؟.

لماذا لم تعمل قيادة الشرعية على تغيير المعادلة هناك، وتخشى أثرها سياسياً، أكثر منه اجتماعياً, وقد ينال هذا الأمر من معنى الشرعية ومعنى وجودها؟.

مليشيات متطرفة مقابل مليشيات انقلابية، كلها تسير عكس تيار الدولة!.

كلها بلا وطنية.. ولا مدنية!.

كلها تصب زيتاً حاراً على رؤوسنا!.

كلها ستغدو حياتنا معها أشبه بالموت وموتاً حياتياً!.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة

%d مدونون معجبون بهذه: