فلترة الماضي لصناعة المستقبل الآمن

كتابات 0 مدير

م. سلطان ياسين الزعزعي

يتساءل البعض عن أي ماضٍ آمن شهدناه، وآخر يقول عن أي ماضٍ يتحدث هذا الرجل؟! سيقول البعض بدهشة واستغراب :هل كان لنا ماض تليد يوماً؟ والبعض سيقول لم يكن لنا ماضٍ آمن على الإطلاق، والبعض الآخر سيحاول استعادة ذاكرته ومخيلته القديمة لاسترجاع ذكريات الماضي إن وجدت، والبعض سيتجاهل أو سيتغابى عنالموضوع كلياً. نحن أمام آراء متفاوتة ، لكن من الواجب علينا احترام تلك الآراء كواجب أخلاقي، فلا رأي يعلو على آخر، حيث نحن امام واقع يتطلب من كل وطني الرجوع والنظر للماضي بتمعن، ومراجعة كل الأخطاء والسلبيات التي طرأت عليه، والعودة إلى مكامن الفشل والإخفاقات طيلة الفترة الماضية، والعمل على معالجتها وتقييمها بإنصاف من أجل سلامة المستقبل، فالاعتراف بالخطأ والعودة إلى تصحيحه واجب وطني لإنقاذ البلد من هذا الوحل السياسي المتزحلق، لأن السير في هذا الواقع المشوه والمغامرة فيه ستكون عواقبه وخيمة ونكبة لا مثيل لها. الواقع بحاجة ماسة إلى إنقاذ وطني، يأتي من خلال رفع الوصايا المفروضة عليه، وتحريره من العبودية الخارجية ليتسنى له خلق واقع متحرر بنفسه. ما يعني ذلك، أن الواقع السياسي الحاضر واقع مضرج بالدماء، فاقد التوازن، ولم يعد قادر على السيطرة على ذاته، بل عاجز عن اتخاذ أي قرار بنفسه، يسير بنا على خطى الواقع المجهول الذي لا مستقبل له . فإن سألتني على أي أساس كيل الكيد والتهم لهذا الواقع ؟ ولماذا المجازفة بظلم الواقع والتشكيك فيه ؟ أو لماذا اسئت الظن فيه؟ ولما لا تعد تثق بالواقع ؟ وما هي الشرعية أو الشريعة التي اجازت لك ذلك الحكم ؟ ! سأجيبك.. إنها شرعية الواقع.. فالواقع مليء بالأحداث والكوارث والحروب ،والاقتتال التي تحدث كل ساعة، حالة تدمي وتخجل الواقع الذي نعيش فيه، أحداث جعلته خائفا على وجوده، لقد منََّ الأخرون عليه بالوصايا وأغدقوه بالحروب إلى أجل غير مسمى. فواقع اليوم مخرجات من مدخلات الماضي، لا أحد ينكر أو يجحد ذلك؛ لأنها حقائق وأحداث لا جدال فيها، لكن علينا إعادة الكرة مرة أخرى للنظر في مدخلات الأمس، ولا مانع من استخدامها مرة اخرى كمدخلات جديدة وإعادة معالجتها وفلترتها من جديد للحصول على مخرجات سياسية اكثر جودة ودقه وكفاءة وبقاء، ما يمكنها من صناعة مستقبل تسوده العدالة والمساواة. مخرجات اليوم نستخدمها كمدخلات لواقع الغد من أجل الحصول على مخرجات واقع جديد، ومن منظور علمي -أي مدخلات سياسية لا تكون نقيه ابدا إلا بعد ما تخضع لعمليات معالجة كثيرة- من أجل الحصول على مخرجات سياسيه نقية و صحيحة بدون شوائب سياسية تعيق المستقبل. ولتنفيذ العملية راهناً نحن أمام خيارين، الأول: استخدام أحداث اليوم من حروب واقتتال وفقر وجوع وغياب للدولة كمدخلات سياسية تخضع للمعالجة، لكن هذه الطريقة صعبة جداً؛ لأن زمن معالجتها يحتاج فترة طويلة، وقد تواجه العملية العديد من الأخطاء أو قد تتوقف؛ لأنها تتطلب كفاءة عالية وتقنيات حديثة باهضة الثمن، لذا وجب علينا البحث عن بديل يؤدي الغرض بسرعة وكفاءة عالية. والثاني: وهو بديلاً لما ذكرناه آنفاً، والذي يتطلب استخدام مدخلات الماضي( من بداية التسعينيات) ، حيث أنه قد تم معالجة ذلك مسبقا بطريقة غير صحيحة صاحبها الكثير من الأخطاء أثناء المعالجة -لم تكتمل بعد- انتجت هذا الواقع المشؤوم الذي نعيش فيه، والنظام البائد والمستبد الذي خلف بعده كومة من الخلافات والإخفاقات والاحتقانات السياسية ادخلت الوطن بحالة يرثى لها، واصابته بوعكة سياسية افقدته توازنه، ولم يتشاف منها.. نظام قتل نفسه وقتل وطنه في آن واحد، ورغم كل ذلك وباعتماد تلك المدخلات سنحصل على مخرجات سياسية جديدة ذات جودة وكفاءة عالية تضمن استمرارية البقاء في هذا الوطن الرحب. لذا فإن العودة إلى الماضي ليس استسلام، ولكن لتأمين المستقبل بانتزاع الخوف الجاثم على صدر هذا الواقع الكئيب والمؤلم.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة

%d مدونون معجبون بهذه: