بقلم الكاتبة: ـ وردة عوض بلسود
“تحتَ سقفِ المدارسِ التي كانت يوماً تعجُّ بصهيلِ الأفكار، يخيّمُ اليومَ صمتٌ جنائزيٌّ لا يقطعهُ إلا صريرُ أبوابٍ أكلَ الصدأُ مفاصلَها. هناك، حيثُ يُفترضُ أن تُصنعَ الأجيال، تُمحى الملامحُ وتذبلُ الأحلامُ في زمنٍ عزَّ فيه الموردُ وجفَّ فيه مِدادُ الكرامة. بين تلميذٍ يحملُ حقيبةً محشوّةً بالآمال، ومعلمٍ يجرُّ خلفَه أثقالَ واقعٍ ينهشُ الكفاف، تُكتبُ اليومَ أقسى فصولِ التراجيديا التعليمية..”
بين رغبةِ التلميذِ وحيرةِ المُعلِّم
يخطو “طالبُ العلمِ” خطواتِه الواثقةَ نَحوَ صرحٍ كان بالأمسِ مَنارةً تُبَدِّدُ دياجيرَ الجهل، يحملُ في حقيبتِه أحلاماً تطاولُ السحاب، وعيناً تترقبُ سُطورَ المعرفةِ بشغفِ الظمآن. ولكن، ما إن يطأ عتبةَ المدرسة، حتى يصفعَه الفراغ؛ فالفصولُ التي كانت تضجُّ بصهيلِ الأفكار، باتت “خاويةً على عروشِها”، يسكُنُها الغبارُ وتنعقُ في زواياها ريحُ الإهمال.
مِحنةُ الرمز: المعلِّمُ المكلوم
وفي صدرِ ذلك المشهدِ القاتم، يلوحُ المُعلِّم. لا يزالُ واقفاً كطودٍ أشمّ، لكنَّ وقوفَه هذه المرة لا يشبهُ كبرياءَه المعهود. إنَّه يقفُ مُثقلاً، ليس بكتبِ “سيبويه” أو نظرياتِ “نيوتن”، بل بدفترٍ صغيرٍ متهالك، سُطِّرت فيه قوائمُ الضرورياتِ المفقودة: رغيفُ خبزٍ غائب، وحليبُ طفلٍ باهظ، وإيجارُ سكنٍ ينهشُ الكفاف.
لقد استُبدلَ الكتابُ في يدهِ بقائمةِ الديون، وصارَ ذهنُه شتاتاً بين “إعرابِ الجملة” وبين “إطعامِ العائلة”. فكيف لعقلٍ غارِقٍ في لُججِ العوزِ أن يُبحرَ بسفينةِ الأجيال؟ وكيف ليدٍ ترتجفُ من قهرِ الحاجةِ أن تضبطَ إيقاعَ الطباشيرِ على سبورةِ الزمن؟
هنا يبرزُ السؤالُ الذي يفرضُ نفسَه بمرارة: كيف يكونُ الخروجُ من هذا التيه؟ وكيف نُعيدُ للمدرسةِ روحَها وللمعلِّمِ وقارَه؟
إنَّ المخرجَ لا يكمنُ في إلقاء اللومِ على المعلمِ الذي عجزَ عن حملِ الكتاب، ولا على الطالبِ الذي وجدَ الدارَ خاوية، بل يكمنُ في إرادةِ الدولة ومسؤوليتِها الأخلاقية والتاريخية.
تلاحم المصلحة: لا يمكنُ للفصلِ أن يزدهرَ والمعلمُ يحتضرُ اقتصادياً. إنَّ مصلحةَ الطالبِ هي الوجهُ الآخرُ لكرامةِ المعلّم.
إنقاذ الموقف: إنَّ على الدولةِ أن تجمعَ شتاتَ المصلحتين في بوتقةٍ واحدة، عبر توفيرِ “حياةٍ كريمة” تليقُ بحاملِ الرسالة، لكي يتفرغَ من همِّ “القمة” إلى مهمةِ “القلم”.
عَاثَ الفَرَاغُ بِرَبْعِ العِلْمِ وَانْصَرَفَا
وَالطَّالِبُ الحُرُّ مِنْ لَأْوَائِهِ وَجَفَا
أَمَّا المُعَلِّمُ.. فَالقِرْطَاسُ فِي يَدِهِ
قَوْتُ العِيَالِ؛ فَوَا أَسَفَى وَوَا أَسَفَا!
أَلْقَى الكِتَابَ وَهَمُّ الأَهْلِ يَثْقُلُهُ
مَنْ خَانَهُ الزَّادُ لَمْ يَسْتَنْطِقِ الصُّحُفَا
يَا دَوْلَةَ الحَقِّ.. حِلُّ القَوْلِ مَجْمَعُهُ:
أَنْ يُنْصَفَ الفِكْرُ كَيْ لا يَهْجُرَ الشَّرَفَا
ضُمِّي المَصَالِحَ فِي عَقْدٍ، فَإِنَّ لَنَا
بِعِزَّةِ الشَّيْخِ نَصْراً يَبْلُغُ السَّقُفَا
إنَّ وقوفَ المعلّمِ عاجزاً هو انكسارٌ لبوصلةِ الأمة، وخلوُّ المدارسِ هو نذيرُ شؤمٍ بليلٍ طويل. فيا أيها المعنيون، أعيدوا للمعلّمِ كِتابَه، ليُعيدَ للطالبِ وطنَه.
