ركائز المشروع الإيراني
كتابات: د. محمد جميح
منذ ثورة مؤسس النظام الإيراني، الراحل الخميني، وإلى اليوم تمر المنطقة العربية بدورات من العنف السياسي والعسكري والإرهابي غير متوقفة. الطموح الإمبراطوري القومي الفارسي الذي ألبسه الخميني لباس التشيع، يتضخم يوماً بعد يوم، والتمدد الإيراني يتسع في مناطق الهلال الخصيب، ويحاول التمدد غرباً في القرن الإفريقي وأواسط القارة وسواحلها الغربية، في محاولات للنظام الإيراني لتطويق العرب في الجزيرة من معظم الجهات، وتمهيداً لإحياء الدور الفارسي القديم في ثوب إسلامي، وبصبغة شيعية.
وللوصول إلى هذا الحلم وُضع مشروع واضح المعالم يقوم على عدد من الركائز المهمة، بعضها على مستوى الاستراتيجيات التنظيرية، والبعض الآخر على مستوى الإجرائيات التكتيكية.
أولى هذه الركائز الاستراتيجية- من وجهة نظر كاتب السطور- تتمثل في «تسييس التشيع». فعلى الرغم من أن أصلاً من أصول الشيعة الإمامية أن «كل دولة تقوم ما بين غيبة الإمام المهدي- عليه السلام- وظهوره هي دولة غاصبة»، إلا أن الخميني-وتفادياً لوصم دولته بالظلم والغصب- طوَّر مفهوم «نائب الإمام»، الذي دمجه مع مفهوم «الولي الفقيه»، ليصبح الخميني نفسه هو الولي الفقيه، وهو نائب الإمام الغائب في الوقت نفسه، وهو الأمر الذي مكنه من الحكم باسم «الإمام المهدي»، ونيابة عنه، ليتسنى للنظام الإيراني في ما بعد اختراق النسيج الاجتماعي العربي في بعده القومي باسم التشيع، وليتمكن من التغطية على الهدف القومي الإمبراطوري الفاقع لاستراتيجية طهران، الذي تتم الإشارة إليه في لحظات «الحماس العاطفي» لبعض المسؤولين وقيادات الحرس الثوري، عندما يغيب عنهم- في غمرة الحماس القومي-الدهاء الفارسي الذي تجسد في تكتيكات «التقية السياسية» في ثوبها الإيراني.
يتحدث مسؤول عسكري- مثلاً- عن حدود إيران الممتدة من سواحل بحر العرب وباب المندب إلى سواحل المتوسط وبلاد الشام، ويتحدث آخر عن أربع عواصم عربية تقع تحت سيطرة طهران، ليأتي آخر ويقول إن العراق العربي هو عاصمة الامبراطورية الفارسية، لكن تلك التصريحات أو الفلتات النادرة لا تلبث أن تلجمها قدرة العقل الإيراني على التلون وإخفاء الأهداف.
وثانية هذه الركائز الاستراتيجية تتمثل في «صناعة العدو». وهذه عملية ذكية لجأ إليها النظام، باختراع «عدو وهمي» كبير وقوي، لا يمس النظام بسوء، ولكنه يوفر له فرصة الظهور بمظهر «المقاوم» لهذا العدو الوهمي، من أجل التغطية على «العدو الحقيقي» الذي تنضح أدبيات النخب الإيرانية في الآداب والفنون والمدونات التاريخية والسياسية بعداوة جوهرية وأصيلة له، وهو «العدو العربي»، الأمر الذي يشرح لماذا تحاول إيران على طول تاريخها التمدد غرباً باتجاه البلدان العربية، ولماذا لم تكن للإيرانيين معارك تاريخية كبيرة كالتي خاضوها منطلقين جهة الأراضي الواقعة خارج حدودهم الغربية باتجاه العراق والشام والخليج واليمن، وهو ما يصب في مجرى تأكيد كون أمريكا وإسرائيل مجرد «عدو وهمي» للنظام الإيراني، للتغطية على عداوة العرب الذين يشكلون «العدو الحقيقي» لهذا النظام.
وتأتي أهمية «صناعة العدو» الخارجي من كونه يعطي النظام في إيران جزءاً من مشروعيته القائمة في جانب منها على أساس مواجهة «قوى الاستكبار العالمي»، و»نصرة المضطهدين» في العالم. كما تأتي أهمية العدو الخارجي للنظام في أنه يعطيه دعاية سياسية وإعلامية كبيرة، حيث يصور النظام نفسه نداً لواشنطن، ما يضفي عليه قوة دعائية تنفع في تحسين صورته، وتساعد على هروبه من مواجهة واجباته تجاه الشعب الإيراني داخلياً، وتعين على جعل النظام مركز جذب لكل من عانوا طويلاً من الظلم والانحياز الأمريكي لإسرائيل في المنطقة العربية.
ومن هذا المرتكز يمكن أن نتحدث عن الركيزة الثالثة المهمة في المشروع الإيراني، وهذا الركيزة هي «القضية الفلسطينية»، التي استطاع النظام في طهران تحويلها إلى حصان طروادة، الذي مكنه من نقل «الجند والسلاح» إلى داخل «بوابات وأسوار» المدن العربية لتدميرها من داخلها، بحجة الدفاع عن فلسطين، ومحاولات تحريرها.
إن ما قدمه النظام الإيراني للقضية الفلسطينية من دعم لا يساوي شيئاً أمام المكاسب التي حققها من توظيفها سياسياً لصالح تمدده في بلاد المشرق العربي. وهنا تحضرنا مقولة الراحل الخميني أن «الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء»، وهي المقولة التي طورها ورثة الخميني ووكلاؤه في بلادنا العربية ليمر طريق القدس الدعائي- فيما بعد- عبر بغداد ودمشق وبيروت وحلب والقصير والقلمون والزبداني، قبل أن ينحرف جنوباً باتجاه صنعاء، ليلتهم- كأفعى ملتوية – عواصم الحضارة العربية الإسلامية الوسيطة، قبل أن يصل إلى القدس، التي لن يصل إليها، لسبب بسيط وهو أن القدس ليست في الحقيقة ضمن حسبان من يمشي في هذا الطريق. وإذا كانت الركائز ا
