د/ عبدالرزاق محمد عبده
دبلوماسي وباحث بالشأن الاقتصادي

عامُ منذ تسلم الرئيس السوري السيد أحمد الشرع
مقاليد حكم بلاده في ظرف داخلي وإقليمي شديد التعقيد، ومع ذلك استطاع أن يُقدّم سوريا بوصفها نقطة توازن واستقرار بالمنطقية، ما منحها دورًا محوريًا في قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب، وأكسبها ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين. ولم يقتصر الحضور الدبلوماسي لسوريا على الملفات الأمنية فحسب، بل شهدت علاقاتها الثنائية تطورًا ملحوظًا مع دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي والصين وروسيا.
رسم الرئيس السوري ملامح سياسة خارجية جديدة، تتسم بالهدوء والانفتاح، وتعتمد على التوازن والشراكات المتعددة، تتعاطي مع التحديات بعقلانية وبرغماتية وتعمل بمرونة لتحقيق المصالح الاستراتيجية للبلاد، وفق مقاربة شاملة وواقعية جمعت بين سياسة تصفير المشاكل مع الجيران والإنفتاح على كل القوي العالمية دون استثناء داخل محيط جغرافي تطبعه الأزمات والاضطرابات والنزاعات العابرة للحدود، وحالة استقطاب غير مسبوقة على الساحة الدولية.
ولأن الأشجار لا تنبت في الهواء كما يقول المثل، فقد أدرك الرئيس السوري منذ اليوم الأول لتوليه السلطة أن إعادة بناء سوريا يبدأ من إعادة بناء المؤسسات، ومن بينها مؤسسة الدبلوماسية. ولتحقيق هذه الغاية، استعانت الرئاسة السورية بنخبة من الباحثين السوريين المنتشرين بالجامعات الغربية، لإعادة قراءة وتعريف السياسة الخارجية السورية، وتطوير المحددات المؤثرة فيها، وخلصت الخطة في هذا الصدد إلى ضرورة التحرك في ثلاث مسارات متوازية:
المسار الأول: يتعلق بالبحث عن الكوادر الدبلوماسية ذات الخبرة والتجربة، من الذين شردتهم الحرب في بلدان اللجوء، وهم الذين قادتهم التجربة المهنية التعاطي مع الشأن الدبلوماسي السوري، وشهد مسارهم المهني الكثير من الاجتهاد والتحصيل والنزاهة، بحيث أصبحوا يمثلون مصدراً من مصادر الخبرة النظرية والعملية في المجال الدبلوماسي، وشكلت وزارة الخارجية السورية لهذا الأمر لجان زارت العواصم الغربية، حيث تعيش جاليات سورية بأعداد كثيرة، وجمعت البيانات التي شكلت نواة لإعادة دمج الكوادر الدبلوماسية السورية.
المسار الثاني: يتعلق بالبحث عن أصحاب الكفاءات الأكاديمية من حملة الشهادات العليا والباحثين بالجامعات الأوروبية، والذين قد تمثل مساهمتهم في التكوين والتخطيط والتطوير جهدا مكملا بل وضروريا، كمصدر للمعلومات والاجتهادات المرشدة للمواقف والسلوك في الإطار الخارجي،خصوصا مع انهيار البنية الأكاديمية والبحثية التابعة للخارجية السورية خلال سنوات الحرب.
المسار الثالث قانوني مهني: يتعلق بإعادة الاعتبار للقواعد القانونية المنظمة للالتحاق بهذه المهنة ضمن شروط علمية وفنية، كون هذا المسار كان قد تعرض لكثير من الإهمال خلال العقد الأخير من حقبة حكم الأسد، باعتبار هذا المسار بوابة الإصلاح الحقيقي، ومرتكز تعزيز الجهاز الدبلوماسي بكوادر شابة مهنية تتوفر على كفاءة نظرية معينة، ولديها اطلاع جيد على مجريات الشأن الدولي، والقدرة على التعامل مع الوسائط التكنولوجية والاتصالية الحديثة، في إطار استراتيجية محكمة.
كانت تلك المسارات والمداخل أساس تطوير الجهاز الدبلوماسي السوري، والتي نقلت سوريا خلال عام واحد إلى دولة وازنة، جمع صانع القرار السياسي فيها بين القوة والمرونة، وبين المبادرة والحكمة، وبين الواقعية والطموح، فكان صوته حاضرًا في قمم العالم العربي والإسلامي، وفي البيت الأبيض والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، وقبل ذلك في الجوار العربي القريب.
وما أحوجنا باليمن لمثل هذا التوازن، وتلك المسارات إن وجدت ضمن رؤية مرنة وحاذقة ونزيهة للتكوين والتعيينات الدبلوماسية، لتقطع الطريق على كثير من مداخل الالتحاق بهذا السلك الحساس بناء على اعتبارات تضر المصلحة الوطنية والصورة العامة للبلد، في بعث من لا يمتلكون حدا أدنى من التكوين والخبرة والمعرفة والموهبة التي تخولهم تمثيل بلدهم بشكل صحيح ومشرف، وهو ما يفتح الباب على ممارسات تثير اللغط من وقت لآخر.
ورغم التشابه الظاهري في الظروف السياسية والأمنية التي يمران بها اليمن وسوريا، إلا أن مسار بناء المؤسسات في البلدين يكشف عن فوارق عميقة في أسلوب إدارة الدولة ومكانة المؤسسات السيادية عند صُناع القرار السياسي. فبينما تحاول دمشق استعادة توازن أجهزتها السيادية وفق منطق الدولة، يبدو أن اليمن أسير اختلالات بنيوية، وفساد نخبه السياسية، ومعايير غامضة في اختيار الكوادر، ما يطرح سؤالًا ملحًا: هل المشكلة في الظروف أم في طريقة إدارة الدولة لنخبها ومؤسساتها؟

من مدير