بشرى عبدالله
أنا من أولئك الذين ينتظرون بفارغ الصبر توقف الحرب، وبذات القدر من هذا الإنتظار أخشى مواجهة كل ما خلفته متى توقفت؛ وكأن في استمرارها استمرار في الهروب منها ومن نتائجها، هروب إلى الأمام بلا هدف ولا رؤية، وكل شيء قبلها بات خلفنا بقدر ما هو أمام نصب أعيننا،
لا يمكننا العودة إلى لحظة بدأ هذا الخراب ومن ثم التصرف كأن لم يحدث شيء، لا يمكننا تجاوز سنوات الصراع، ومحوها منّا، من أجزائنا، كذلك هو إبقائها في جزء مهم من حياتنا وتجربتنا قاسي ومؤلم،
أخذتنا من منتصف الطريق إلى أنفسنا وإلى أرضنا وفجأة أبعدتنا عن كل شيء وجعلتنا في خضمه أيضًا، لا نحن بالقادرين تمامًا ولسنا بالعاجزين تمامًا، شيء مثير للشفقة لكن وجد الكثير من الخصوم والأعداء مكنا من رمي كل الذرائع عليهم، لنكتفي باللحاق بــ سلك الوعاظ والراشدين والمتقنين دور البطولة والمجيدين إدعاء الوطنية بإجادة حتى صدقنا أنفسنا قبل غيرنا الذين وجدوا بكل ما نقوم به مهدئ لهروبهم وتشجيع للسير بلا هوادة بطريقنا بدون أن تخالجهم نية سؤال أنفسهم، لماذا نقوم بكل هذا؟!
الحاضر بصراعاته، بين البين من أنفسنا وبيننا وبين كل يحوط بنا خلق قطيعتنا بالماضي إلا من أرث ممتد من العجز وتأنيب الضمير، ووعي ظالم يتحول إلى سوط يشتد علينا كلما تجلت أمامنا الوقائع بكل تناقضاتها وعجزنا التام حتى عن التصريح بها أمام أنفسنا،
أخذنا عن الماضي، بسنوات لا نحسبها بالتقويم بل بثورة وصراعات وحروب وأمراض وأوجاع وحنين وشوق،
قبل يومين ربما وبينما كنت عادة للمنزل بعد الظهيرة على غير عادتي أن أعود هكذا مبكرة، وقد أخذني الرهيم وانتعاش الطقس بهدوء حذر لدرجة الحرارة من جراء إحتجاب الشمس خلف مجموعة من السحب كانت تتجول في سماء صنعاء وتتنقل من مكان لآخر وكأنها تحاول توزيع الظل بالتساوي على مدينة بات كل أهلها متساوين بحصص الظلم والتعسف على إختلاف ولائاتهم،
ذكرني الطقس الغائم وبضع قطرات من مطر الكثير مما اشتاقه، أشياء وجدت نفسي بسبب هذه الحرب أنتزعها مني وأنتزع منها، كدت أن أسقط دمعتين، فغالطت نفسي بسماع مقطوعة موسيقية لأخلد في حديث كثير كان بعضه أسئلة لا أعرف إجاباتها، وحاولت طردها عني كمن يحاول طرد حشرة لإنزعاجه من طنينها أمامه،
وجئت على أخف الأسئلة ما الذي جاء بك إلى هذه المدينة؟!
إليست الحرب؟!
كم من الوجوه أقابلها، وتقابل شخص يشبهني، وما زال صالح للحظة ليحمل اسمي لفترة قادمة،
ماذا بعد قلت، إذا انتهت هذه الحرب، إلى أين ستعودين؟!
هل للماضي الذي غادرته لتسوي خصومتك معه، وتحاولين التصرف بشكل لائق معه فتشذبين غيابك وما خلفته الحرب،
أم أنك ستتصرفين وكأن الحرب كانت زمن إضافي، قدر كان له أن يأتي، نتيجة لأسباب وصارت سببًا لنتائج، وعليك تقبل كل النتائج وتكملين السير وتحسبين ذاك الزمن البعيد والذي يزداد في البعد كذكرى وأن كان الآن ندبة في قلبك من حزن وحنين وغضب، ليغدو حديث جيداً عن أحداث مهمة كان لها أن تحدث وما كان عليك القيام إلا بما قمت به؛ فذاك كان جل ما كان ما بوسعك القيام به؟!
هل على هذه الحرب أن تنتهي أم تستمر لننتهي نحن دون أن يشعر بنا أحد؟!