
الجوزاء نيوز – تحقيق خاص
يتعرض المال العام في تعز للسلب من قبل نافذين في الدولة وهوامير فساد, وتُصادَر مئات الملايين من عائدات الضرائب, في وقت تعيش فيه المحافظة أوضاعًا اقتصادية مزرية.
في هذا التحقيق الاستقصائي, يفتح موقع (الجوزاء نيوز) ملف النهب الممنهج الذي يتزعمه مدير مكتب الضرائب, متتبعًا عملية تحصيل ضرائب القات في مراكز التحصيل.
حيث حصل الموقع على وثائق وسندات ومذكرات تكشف حجم الفساد الفاضح والنهب الفادح الذي ينتهجه مدير عام مكتب ضرائب تعز, محمد عثمان السبئي, في تحصيل ضرائب القات.
“مراكز التحصيل .. نجد قسيم أهمها”
تبلغ عدد المراكز الخاصة بتحصيل ضرائب القات في مناطق تعز المحررة ( 11 ) مركز تقريبا, وهي مركز نجد قسيم, الدمغة, صينة, النشمة, التربة, مديريات الساحل, الضباب, السمسرة والصافية والوازعية, الزجرة, وغيرها.
ويعتبر مركز تحصيل نجد قسيم أهم مراكز تحصيل ضرائب القات وأكبرها, تتحصل منه الجزء الأكبر من الضرائب, لكن المفاجأة الصادمة, أن المبالغ التي تورد يوميا على أنها كل الضرائب, أقل من ربع المبلغ المحصّل فعليًا وواقعيًا.

وفقًا لسندات التحصيل اليومية لضرائب القات, فإن مركز تحصيل “نجد قسيم” ظلّ يورد منذ مطلع العام الجاري مبلغ يتراوح بين ( 200 – 500 ) ألف ريال يوميا فقط, لكن الحقيقة التي سنكشف خيوطها أن المبالغ المحصلّة فعليًا تصل, يوميًا, إلى أكثر من ثلاثة أضعاف المبلغ الذي يجري توريده.
وبحسب وثيقة صادرة عن “إدارة ضريبة القات” في مكتب الضرائب بتعز, حصل عليها موقع (الجوزاء نيوز), بلغت إجمالي الضريبة المحصلة من مركز “نجد قسيم”, في أول أيام شهر أبريل الفائت, (294000) مئتين وأربعة وتسعين ألف ريال, بواسطة المتحصل “فهد عبدالحميد السبئي”.

“خطوة كشفت الفساد”
وفي منتصف الشهر الجاري, 15/6/2020, ذهب “محمد احمد الحاشدي”, الذي يعمل محصلا لضرائب القات في جميع مراكز التحصيل في مناطق تعز المحررة, ذهب إلى مركز تحصيل نجد قسيم بنفسه, وأخذ يجمع ضرائب القات, وهي خطوة اعتبرها مراقبون “كاشفة لفساد مدير مكتب الضرائب”.
وفقًا للوثيقة التي حصل عليها (الجوزاء نيوز), فإن إجمالي المبالغ التي حصّلها “محمد الحاشدي” من ضرائب القات في مركز تحصيل نجد قسيم, بلغت ( 2,358,8000 ) اثنين مليون وثلاثمئة وثمانية وخمسين وثمانية آلاف ريال, من مركز واحد, وفي يوم واحد فقط, يوم الاثنين 15/6/2020.

وحصل الموقع على وثيقة تثبت أن الحاشدي قام بتوريد المبلغ المحصل كاملا إلى البنك المركزي بتعز, واستلمه مدير خزينة البنك في 17 يونيو الجاري.

بالنظر إلى الوثائق والمبالغ المحصلة, يتضح جليًا أن المبلغ الذي حصّله الحاشدي في يوم واحد أكثر بثلاثة أضعاف مما يورده مدير الضرائب إلى خزينة الدولة في تعز.
اشتاط مدير الضرائب, محمد السبئي, غضبا من نزول الحاشدي لتحصيل ضرائب القات في مركز نجد قسيم, وأرسل مذكرة لمحافظ تعز نبيل شمسان, في ذات اليوم 15 يونيو, يشكو له قيام الحاشدي باستحداث نقطة تحصيل في الضباب ونجد قسيم, ويطالبه بالتحقيق معه. وبدوره, وجه محافظ تعز بإحالة الحاشدي للتحقيق.

مصدر مسؤول في تعز, قال لـ(الجوزاء نيوز) أن مدير الضرائب خشي الفضيحة المدوية المتمثلة بنهبه للملايين من ضرائب القات, فسارع لرفع شكوى للمحافظ للتدخل لإيقاف الحاشدي.
المصدر أفاد أن تلك الملايين من ضرائب القات تقسم بين شلة لصوص ونافذين في السلطة المحلية, يأتي محافظ تعز نبيل شمسان ووكيل المحافظة عارف جامل ومدير الضرائب محمد السبئي, وقبل ذلك كانت تذهب نسبة كبيرة لمحافظ تعز السابق أمين محمود, الذي عين السبئي مديرا للضرائب بديلا عن “علي راوح” الذي عرف بالنزاهة.
“المبلغ السنوي الواقعي والمورّد .. فارق ضخم”
بعملية حسابية, وبناءً على مبلغ الـ ( 2,358,800 ) الذي حصّله الحاشدي في يوم واحد فقط ومن مركز واحد, فإن إجمالي المبالغ التي يتم تحصيلها من مركز تحصيل نجد قسيم في الواقع, خلال سنة كاملة, تقدر بقرابة 850 مليون ريال, وهو مبلغ “أكبر” من إجمالي المبالغ التي وردها السبئي خلال عام 2019 من جميع مراكز التحصيل البالغ عددها 11 مركز.
فبحسب وثيقة حصل عليها (الجوزاء نيوز) فإن إجمالي المبالغ التي جرى تحصيلها من ضرائب القات خلال 2019 تبلغ (409,551,462) أربعمئة وتسعة ملايين وخمسمئة وواحد وخمسين ألف وأربع مئة واثنين وستين ريال فقط, من جميع مراكز التحصيل. في حين أنه يفترض أن تتجاوز المبالغ المحصلة من كل مراكز التحصيل في السنة أكثر من “مليار” ريال.

وتكشف هذه الأرقام أن أكثر من 439 مليون ريال لم تُورد إلى خزينة الدولة في تعز, في 2019.
ويتساءل مواطنو تعز: أين تذهب هذه المبالغ في مرحلة تكون تعز أحوج إليها ؟ ومن يقف وراء عملية السلب الممنهجة ؟
“شلة لصوص”
وكان نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي اتهموا مدير مكتب الضرائب ومن أسموهم بـ”شلة اللصوص والنافذين” بالعبث بالمال العام وسرقة مئات الملايين منذ مطلع 2019, ومن قبل ذلك.
وأضافوا بأن النافذين مضوا في نهب المال العام وتركوا تعز تعاني الوجع والجوع والحرب والحصار.
ويرى مراقبون أن الحاشدي الذي ورد أكثر من مليوني ريال إلى خزينة الدولة من مركز واحد لضرائب القات وفي يوم واحد, أحرج مدير الضرائب وفضحه وكشف مقدار المبالغ التي ينهبها السبئي والنافذون في الدولة.
“انكشاف”
وثائق عديدة حصل عليها (الجوزاء نيوز) تثبت حجم الفساد الذي يمارسه مدير مكتب الضرائب “محمد السبئي”, في مصادرة المبالغ المحصلة من ضرائب القات.
إحدى الوثائق هي مذكرة كتبها المدير محمد السبئي ذاته و”بخط يده”, بعثها لنائب المدير لشؤون القات ولمدير الإدارة, يطالبهما بإلزام محصلي القات بالربط اليومي لشهر أكتوبر 2019 والتحصيل بموجبه, وأوضح له مبالغ الربط الخاصة بكل مركز تحصيل ضريبي.

وردا على مذكرة المدير السبئي, بعث النائب لشؤون القات عبدالله مارش الشرعبي مذكرة للسبئي, توضيحا وتعقيبا, قال فيها أنه لوحظ ” قيامكم بربط مركز نجد قسيم بمبلغ أقل من المبلغ الذي يتم توريده من قبل محصل المركز, حيث يتم توريد مبلغ (1,400,000) مليون وأربعمئة ألف ريال يوميًا, بينما تم الربط من قبلكم بمبلغ (1,288,000) مليون ومئتين وثمانية وثمانين ألف ريال”.
وأضاف الشرعبي في مذكرته أن مدير الضرائب قام بربط مركز الدمغة بمبلغ 50 ألف ريال, بينما ما يتم توريده من قبل المتحصل يوميا 70 ألف ريال.
وأشار “كنا نأمل زيادة مبالغ الربط, لا نقصانها, نظرا لزيادة كميات القات”.
غضب واسع
ورغم وضوح الوثائق التي تكشف عملية مصادرة المال العام, قال مدير مكتب الضرائب محمد السبئي, في بيان نشره في صفحة مكتب الضرائب “أنه يتعرض لحملة إعلامية ظالمة”.
وفي البيان ذهب مدير مكتب الضرائب, لاتهام كل من نائب المدير العام لشؤون القات عبدالله مارش, والمتعهد الرسمي لتحصيل موارد ضريبة القات محمد احمد الحاشدي, اتهمهما بشن حملة تشويه ضده.
وبدورهم, سخر ناشطو تعز من شكوى السبئي ووصفوها بـ”الصفاقة”.
الصحفي عبدالرحمن الشوافي, كتب في صفحته فيسبوك “يا للصفاقة، أحد مدراء المكاتب في تعز، سرق الملايين ولا زال يسرق (في إشارة إلى مدير الضرائب) ، وحين تحدث الناس عن فسادة ولصوصيته خرج ببيان يشكو تعرضة لحملة إعلامية ظالمة!
وأضاف الشوافي ساخرا: “مله كيف ايش رأيك نتضامن معك، عشان تسرق براحتك ومحد يشغلك؟!”.
وتابع “حتى اللصوصية وقلة الحياء لها صول مش للدرجة ذي” مضيفًا: “لفلف جهالك يا نبيل شمسان!”.
الكاتب والإعلامي راكان الجبيحي كتب في صفحته على فيسبوك “مدير مكتب الضرائب محمد عثمان السبئي، ما هو إلا صورة مصغرة عن الفساد داخل السلطة المحلية”.
وأوضح الجبيحي أن السبئي “غرس نفسه وحاشيته في أهم مكتب تنفيذي ايرادي،وذهب يسلب المال العام بشكل مخيف أمام أعين المسؤولين. دون اتخاذ اي إجراء رسمي وقانوني يحاسب على ذلك، ويوقف هذه المهزلة”
وذكر بأن تحصيل ضريبة القات بشكل يومي تأتي قرابة ثلاثة مليون واكثر”.
مشيرا إلى أن نصفها تذهب “للحساب الخاص للمدير السبئي، في حين ثلث النصف الآخر بحدود 500 ألف يورد للبنك، والثلثين المتبقيين تذهب كـهبات شخصية لبعض المسؤولين والوكلاء”.
ويطالب أبناء تعز بإقالة مدير مكتب الضرائب في المحافظة محمد عثمان السبئي, وإحالته للتحقيق والمحاكمة نظرا لخيانته العظمى وجريمته بحق المال العام وعملية السلب التي يديرها, مشددين على ضرورة عمل آلية واضحة لتوريد الضرائب، ومعرفة أين تذهب تلك الأموال.