محمد دبوان المياحي
…
دخل الحوثي ثورة فبراير؛ لكنه لم يكن جزءً حقيقيّا منها، لم ينتمي لقيمها ولم ينصهر بخطابها العام، انضم إلى ساحاتها شكليّا، لكنه ظل جزيرة منفصلة عنها عمليّا، شارك في مسيراتها، لكنه احتفظ بضلالاته الخاصة في داخلها.
فشل خطاب الثورة بكل رحابته في خلخلة أوهامه الخاصة، وفي اللحظة التي كانت كل تيارات الثورة منصهرة بخطاب موحد، بقى الحوثي هو العنصر الوحيد الغير قابل للتجانس مع خطاب الثورة. مارس جوارنا شكلًا مكشوفًا من التقية؛ لكنه ظل منكفئًا على ذاته طيلة زمن الثورة. وفشل في أن يذيب خرافاته ليلتقط الفرصة ويكون جزءً من اللحظة الجامعة لليمنيين.
لم يكن أحدا يملك الحق في أن يمنعه من الدخول، كانت الثورة سماء مفتوحة للجميع، وهذه أحد أهم نقاط قوتها، فاستغل الحوثي فضاءها المفتوح ودخل على خط الثورة، دخل لأهدافه الخاصة وليس لأهدافها، كان واضعًا أحد أقدامه في ميدان التغيير بصنعاء، وقدمه الأخرى يقاتل بها أبناء القبائل التي تعترض مسيرته في “كشر” و”مستبأ” وصعدة..!
كان يمارس نوعًا من الانتهازية في الساحات ويهدف لاستثمار فضاءها بغية انتزاع امتيازات حقوقية مبالغ فيها مقابل مظلوميته. ثم لاحقًا تمددت أحلامه وظل يترقب لحظة ينقض فيها على الثورة بكاملها، وهو ما حدث بعد ذلك؛ ليؤكد انفصال الجماعة عن الثورة منذ البداية.
الحوثي جماعة عقائدية، ذات طابع ثوري؛ لكنّ مفهومها للثورة، مختلف ومتناقض تمامًا مع المفهوم الذي قامت عليه ثورة فبراير. الثورة بالنسبة للحوثي هي تلك التي تعيد إليه أحقيته التأريخية بالحكم وتمكنه من احتكار السلطة وامتلاك رقاب اليمنيين، وعلى النقيض من هذا تمامًا جاءت فبراير بمفهوم الثورة الديمقراطية تلك التي تعيد توزيع السلطة والثروة بالتساوي بين أبناء الشعب ، على قاعدة المواطنة المتساوية بمن فيهم الحوثي.
كان الثوار يعتقدون أن الثورة نقطة التقاء لكل المظلوميات الصغيرة وتقاطعها في مظلومية الوطن الكبير، وتلك لحظة كافية لازاحة كل الأهداف الصغيرة وتلاحم الجميع لغاية واحدة، تتمثل في استرداد العدالة وإحداث قطيعة مع الماضي، عبر إسقاط النظام وتصحيح الاختلالات الجذرية التي أنتجت كل مشاكل البلاد بما فيها قصة حروب صعدة وتبعاتها.
خطاب كهذا من المفترض أن يكون الحوثي أكثر من يدافع عنه بشراسة، لو أنه كان ينتمي بشكل حقيقي للثورة، لكن ما حدث هو العكس، حيث ظل الحوثي يفتعل المشكلات هنا وهناك، متقوقعًا في إطاره الخاص؛ مؤكدًا بذلك بعده عن الثورة وانفصاله عنها بقدر محاولة الثورة احتواءه؛ ليكون خلاصه جزءً من خلاص اليمن الكبير.
كنّا أنقياء وحالمين، وكانت الثورة مرنة لدرجة رغبتها بتجاوز كل ترسبات الماضي، بل ومحاولتها القفز على الحقائق القاسية أحيانًا، تلك الحقائق المتعلقة بالطبيعة الطائفية المغلقة لجماعة الحوثي. لم يكن الجميع مغفلا، كان الكثير يدرك جوهر هذه الجماعة؛ لكنهم راهنوا على قدرة اللحظة الثورية في ترويض الوحش، ودفعه؛ لتجاوز إعاقته الخاصة.
وللأسف لقد فشل عطّار الثورة في إصلاح ما أفسده دهر الطائفة في عقول أبناءها، وبدأ كم هو صعبًا على جماعة الحوثي أن تتجاوب مع خطاب وطني مفتوح، ينادي بالسيادة للشعب وينسف كل صيغ الوصاية عليه باسم العائلة أو السلالة أو أي عباءة تحاول إعادته إلى بيت الطاعة.
لقد خرج مارد فبراير من قمقم الجميع ولن يعود. وما عجز النظام السلطوي بكل جبروته وحذلقته من إعادته فإن السلالة على فعل ذلك أعجز.
فبراير الأب، فبراير الرب، فبراير الحلم الذي لا يموت..
