شبام حضرموت: ناطحة السحاب التي بايعت الشمس وناجت التاريخ، تراتيل من طين وذاكرة هنا، حيثُ تنحني القوافلُ إجلالاً، وحيثُ يرتفعُ الطينُ ليُعانقَ كبرياءَ السماء؛ هنا شبام حضرموت. ليست مجرد مدينةٍ نبتت في جوف الوادي، بل هي قصيدةٌ عذراء كُتبت بأصابع الأجداد، وروايةٌ أزليةٌ بطلُها “التراب” الذي استحالَ مجداً. حين تقفُ أمامها، تشعرُ بأنّ الزمنَ قد عقدَ معها صلحًا ،فتركها شاهدةً على عبقرية الإنسان الذي لم ينتظر من الطبيعة هبةً، بل طوعَ رمالها ليصنعَ منه “مانهاتن الصحراء”. هي الذاكرةُ التي لا تشيخ، والجمالُ الذي يرفضُ التواري خلف غبار النسيان، صرخةٌ معماريةٌ صامتة في وجه الحداثة، تُذكّرنا بأنّ الأصالةَ ليست قِدماً، بل هي بقاءُ الروح في المادة.
في محراب المدينة: ناطحات سحابٍ بوضوء الأرض ما إن تقترب من أسوارها، حتى تدهشك تلك الوقفة الشامخة. شبام ليست مدينة أفقية تمدُّ بساطها على الأرض، بل هي ثورة عمودية، وكأنما أراد ساكنُها أن يبتعد عن ضوضاء الثرى ليقترب من طهر الثريا.
ا لأبنية الشاهقة: ترتفعُ البيوتُ الطينيةُ في شبام لتصل إلى سبعة أو ثمانية طوابق، في تناسقٍ هندسيٍّ يعجزُ عنه العقلُ المعاصر. إنها “ناطحات السحاب الأولى” في التاريخ البشري، صُنعت من “المدر” (اللبن الطيني) المخلوط بالتبن والماء، ثم صُقلت بـ “النورة” البيضاء التي تتوّجُ رؤوسَ المنازل كتيجانٍ من النور تحت شمس الظهيرة. للحارسة: يحيطُ بالمدينة سورٌ عتيد، لم يكن يوماً مجرد حاجزٍ حجري، بل كان درعاً للكرامة، وحصناً يحمي أسرار الحضارة من طمع الغزاة وعوادي الزمن. هذا السور يمثلُ الحدَّ الفاصل بين فوضى الصحراء ونظام المدينة العجيب؛ فبمجرد عبور بوابتها الوحيدة، تدخلُ في نفقٍ زمنيٍّ يعيدُك إلى عصور القوافل والبخور. الهندسة الروحية: الأزقةُ في شبام ضيقةٌ وحميمة، صُممت لتكسرَ حدة الرياح وتخلقَ ظلالاً باردةً تقي العابرين هجير الشمس. كل نافذةٍ خشبيةٍ (مشربية) تحكي قصةً، وكل بابٍ منحوتٍ بدقةٍ يمثلُ فصلاً من فصول الفن الإسلامي الذي امتزج بروح البيئة الحضرمية. إنَّ شبام اليوم ليست مجرد مزارٍ سياحيٍّ أو أطلالٍ تُبكي الشعراء، بل هي أمانةٌ كونية في أعناقنا. إنها الكنزُ الذي إن ضاع، فُقدت حلقةٌ وصلٍ أساسية في سلسلة الإبداع البشري. إننا، وبكل ما تحمله الكلمات من لوعةٍ وحرص، نرفعُ النداء إلى مؤسسات الدولة، وإلى الجهات المعنية بالآثار، أن هبّوا لحماية “عروس الرمل”. وعلى الرغم من ترميم مدينة شبام التاريخية في حضرموت. في نوفمبر 2024 تم توقيع اتفاقية مع منظمات دولية متخصصة في حفظ التراث، بتمويل من التحالف الدولي لحماية التراث الثقافي (ALIPH). المشروع يشمل: – ترميم 63 مبنى تاريخي من مباني شبام. – إعادة تأهيل القصر الشمالي ومبنى الأحوال المدنية (نادي شبام حالياً). – إنشاء متحف إثنوغرافي في القصر الجنوبي ليكون مركزاً للموروث الشعبي والثقافي. – تحسين البنية التحتية مثل شبكات المياه والصرف الصحي والخدمات الأخرى، نظراً لتعرض المدينة لمخاطر السيول والأمطار. ولكن هل هذا يكفي لحماية المدينة؟ هذه الخطوات مهمة جداً، لكنها ليست كافية وحدها لضمان حماية شبام على المدى الطويل، فالمخاطر الطبيعية مثل السيول والأمطار تحتاج إلى حلول مستدامة في إدارة المياه وتصريفها. كما أن الضغط السكاني والعمراني يتطلب تنظيم البناء الحديث حول المدينة لتجنب التأثير على طابعها التاريخي. و الصيانة المستمرة ضرورية، فالمباني الطينية تحتاج إلى متابعة دورية وإصلاحات متكررة. والدعم المحلي والدولي يجب أن يستمر، لأن التراث العالمي مثل شبام يحتاج إلى حماية طويلة الأمد وليس مجرد مشروع مؤقت. بمعنى آخر، التجديد الحالي خطوة كبيرة للأمام، لكنه يحتاج إلى أن يكون جزءاً من خطة شاملة ومستدامة تجمع بين الترميم، وإدارة المخاطر الطبيعية، وتوعية المجتمع المحلي بأهمية الحفاظ على التراث. فإنَّ تقلبات المناخ، وزخات المطر التي كانت يومًا غيثًا، باتت اليوم تشكلُ تهديدًا لتلك الجدران الطينية .
إنَّ الحفاظ على شبام ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو واجبٌ وطنيٌّ ومقدس. نحتاجُ إلى رؤيةٍ حكوميةٍ تحتضنُ هذه المدينة، وتعيدُ ترميم ما تآكل من جدرانها بأساليب علمية تحترمُ “روح الطين”. دعوا شبام تبقى منارةً تضيءُ للأجيال القادمة معنى الصمود، ولا تتركوها تذوي في صمت الإهمال، فالمدنُ العظيمةُ لا تموتُ بمرور الزمن، بل تموتُ حين ينساها أهلها.

بقلم/ وردة بلسود

من مدير