بقلم/ أ.د. فؤاد البنا – الجوزاء نيوز

في ليلة ٢٦ سبتمبر من عام ١٩٦٢م اندلعت ثورة عظيمة باركتها السماء؛ لأنها انطلقت لتُحرر اليمنيين من أغلال الاستعباد السلالي المقيت ومن أدعياء الحق الإلهي المزعوم، فعلّقت هذه الثورة على أعناقهم قلائد الحرية، ووضعت فوق رؤوسهم تيجان الكرامة، وعمل قادتها الأحرار من أجل أن تخرجهم من غياهب الجهل إلى أنوار المعرفة، وتنتشلهم من قيعان الهوان إلى فراقد العزة، ولتستنقذهم من بين براثن الفقر وأصقاع المرض وترتقي بهم بعيدا في آفاق الصحة والحياة الكريمة.

وبحمد الله فقد أنجزت الثورة الأدبيات المطلوبة لتحقيق تلك الغاية العظيمة وقطعت في الجانب العملي أشواطا مهمة، مقارنة بما كان عليه الحال قبل الثورة، غير أن الوضع ظل دون ما ينبغي أن يكون عليه الحال بكثير بفعل عوامل عديدة موضوعية وذاتية، خارجية وداخلية.
ولقد صنعت العوامل الذاتية الناتجة عن صور من القصور والتقصير مجموعة من الثقوب، التي تسلّلت من خلالها ثعالب الإمامة الحوثية إلى حصون الجمهورية.
وللأسف الشديد فقد ساعدهم على افتراس ضحاياهم ضعف المناعة الثقافية والوطنية عند أعداد وفيرة من أصحاب الأمية الأبجدية والفكرية، بجانب قلة الحُرّاس المرابطين في ثغور الفكر والثقافة، فقد ظن الوطنيون بأن التأريخ قد انتهى وأن الحق قد انتصر إلى الأبد وأن الاماميين لن تقوم لهم قائمة؛ فكفّوا عن بَثّ الفكر وصناعة الوعي، وانشغلت النخب باللعَب السياسية، وأشعلت بعض القوى حروباً باردة ضد بعضها، وكانت تتطور في بعض الأحيان إلى مواجهات مسلّحة دامية؛ مما أدى إلى اتساع مساحات الجهل والفقر، وتسبب ذلك في وقوع أعداد غير قليلة من اليمنيين في حبائل الفكر السلالي الطائفي، بتحريض وتأييد من قوى إقليمية ودولية لا تريد لليمن الاستقرار ولا تستيغ قيام حكم نظام جمهوري يتكئ على الديمقراطية ويبسط العدل ويقدس الحقوق والحريات.

وفي مثل هذه المناسبة ينبغي أن يتداعى كافة الأحرار وأن يتنادى أهل العلم والثقافة للتعاهد على التعاون في إطلاق ثورة وعي كبرى تؤدي إلى إرساء قيم الحرية والعلم والعدالة والمساواة والوحدة والأمن، وتجفيف كل منابع العبودية والظلم والجهل والفقر والفرقة وسائر أشكال التفرقة العنصرية والطائفية والطبقية والجهوية، إن لم يكن من منظور القيم التي تدعو لها ثورة ٢٦ سبتمبر فمن زاوية مواجهة العدو المشترك الذي يتربص باليمنيين الدوائر ويشيع فيهم الفتنة وينشر الفساد ويرفع في وجوههم السلاح، مغتصباً للأرض والأموال والسلطة ومُصادراً للحرية والعزة والكرامة.