بقلم الدكتور : عبدالرزاق العامري
باحث بالشأن الاقتصادي
يُبين “التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية 2026″، في طبعته العاشرة والصادر حديثا عن “شبكة المعلومات العالمية حول الأزمات الغذائية”، أن اليمن يأتي ضمن الدول الثلاث التي يعاني سكانها من نقص حاد في الغذاء، حيث أن عدد من يواجهون مستويات مرتفعة من الجوع الحاد تضاعف خلال السنوات الثلاث الماضية، وأصبح غالبية اليمنيين اليوم يعيشون ظروفا تهدد الحد الأدنى من البقاء الإنساني، وغدت لقمة العيش هاجساً يوميا، وتحولت أبسط مقومات الحياة إلى أمنيات بعيدة المنال. وفي قلب هذا المشهد يقف الفساد المالي والإداري، وغياب العدالة التوزيعية، والهشاشة الاقتصادية عائقا أمام أي محاولة لبناء دولة مؤسسات، قادرة على صون كرامة مواطنيها.
وفي المقابل، تبدو النقاشات الرسمية وكأنها تدور في بلد غير اليمن، ومنشغلة باجتماعات بلا أثر، ووعود عرقوبية لا يُنفذ منها شيء، فيما تبقى الأسئلة الكبرى مؤجلة: أين تذهب مليارات الدعم الذي تُقدمه المملكة العربية السعودية؟ وكيف تُدار الإيرادات والثروات؟ ولماذا لا ينعكس كل هذا على حياة المواطنين؟ وكيف يمكن بناء اقتصاد منتج بدل اقتصاد قائم على الاعتماد على المساعدات؟
ولعل أكثر ما يستوجب التوقف عنده بالحالة اليمنية أن الأكاذيب غدت مرادفًا للسياسة، والمراوغة أسلوبا للإدارة، فيما تُختزل التنمية في ضجيج إعلامي صاخب، لا أثر له في الواقع، ولا صلة له بحياة الإنسان. وعند هذه النقطة يبرز السؤال الأكثر بساطة والأشد إيلامًا: ماذا يعني أن يعيش اليمني حياة كريمة؟
وللإجابة على هذا التساؤل، في بلد يِصنف على أنه من بين أكثر خمس دول فسادا على مستوى العالم، لم يعد مجديًا الاكتفاء بالحديث عن المؤشرات الاقتصادية الكلية، أو تقلبات الأسواق، أو النظريات التنموية المجردة، لأن الأولوية باتت للحاجات التي لا تقوم الحياة من دونها: غذاء يكفي، وماء نقي، وكهرباء مستقرة، ورعاية صحية، وتعليم كريم، وفرصة عمل تحفظ الكرامة. فهذه ليست ثمارًا مؤجلة للتنمية، بل هي أساسها الأول.
وفي خضم هذا الواقع السيء، باتت البلاد تخطو خطوات متسارعة نحو نموذج الدولة الفاشلة، إذ لا يمكن الحديث عن وطن بينما تُهدر فيه الكرامة الإنسانية، ولا عن ترسيخ دولة قانون في ظل غياب العدالة الاجتماعية وتفشي المحسوبية. فالدولة في جوهرها، ليست مباني ومؤسسات شكلية، بل منظومة عدالة تضمن الحقوق، وتدير الموارد بكفاءة، وتمنح الناس أفقًا معقولًا للحياة. كما أن القيادة لا تُقاس بوجود أشخاص في مواقع السلطة، بل بقدرتهم على صناعة الفعل السياسي واتخاذ القرار وتحمل تبعاته.
وفي هذا السياق، تؤكد تجارب المقارنة أن أزمة اليمن لا تكمن فقط في شح الموارد، بل في سوء إدارتها. فكم من دولة محدودة الإمكانات نجحت حين أحسنت التدبير، وكم من بلد غني تعثر حين سلّم ثرواته للفساد وسوء الحوكمة. إن الموارد حين تُدار بلا شفافية، ولا تُربط عائداتها بالاستثمار في الإنسان والبنية التحتية.
إن العلاقة بين الجوع والاضطراب السياسي في اليمن ليست مصادفة عابرة، بل نتيجة مباشرة لاختلال الحوكمة الاقتصادية. فحين يجوع الناس، تتراجع الثقة، ويضعف الانتماء، وتصبح الدولة في نظرهم كيانًا بعيدًا لا حاميًا قريبًا. لذلك، لا تصنع التنميةَ الخطابات، ولا يكفي الدعم الخارجي مهما بلغ حجمه، ما لم يُدار ضمن رؤية وطنية واضحة تستثمر في الإنسان، وتبني اقتصادًا منتجًا، وتضمن عدالة توزيع الفرص والعوائد.
إن بناء الدول لا يبدأ من المنابر، بل من المائدة التي لا تخلو، والمدرسة التي تعمل، والمستشفى الذي يعالج، والطريق الذي يصل، والوظيفة التي تحفظ كرامة صاحبها. فالبيت الذي يفتقد الخبز لا يناقش الفلسفات السياسية، بل يعيش صراع البقاء، ومن هذا البيت تبدأ المسافة الحقيقية نحو الاستقرار والسلام الاجتماعي.
ولهذا، فإن أي مشروع لمعالجة اختلالات صناعة القرار داخل الحكومة الشرعية لا يأخذ بعين الإعتبار فشل وفساد من يتصدرون المشهد السياسي اليوم، ولا يجعل من مكافحة الفساد، والعدالة الاجتماعية، وكرامة الإنسان أولوية، يبقى مشروعًا ناقصًا مهما ارتفعت شعاراته. فالأوطان لا تُبنى بالخطب، والفضيلة لا تُزرع بالجوع، وكل نهضة صادقة تبدأ من الإنسان، وحقه بالعيش الكريم، وشعوره بأن الوطن له، لا عليه.